محمد أبو زهرة
52
المعجزة الكبرى القرآن
يصدونهم عن ذكر اللّه ، وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ، فأتمروا ، واجتمعوا حول الوليد ، ليتعلموا ما ذا هم قائلون لمنع الحق ، وقد قال لهم أولا الحق على ريب في نفسه . قال لهم الوليد العارف الضال : إن وفود العرب ترد ، فأجمعوا فيه رأيا لا يكذب بعضكم بعضا . قالوا : نقول « كاهن » . قال : واللّه ما هو بكاهن ، ما هو بزمزمته ، ولا سجعه . قالوا : « مجنون » . قال : ما هو بمجنون ، ولا بخنقه ، ولا بوسوسته . قالوا : فنقول « شاعر » . قال : ما هو بشاعر ، قد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه وقريضه ، ومبسوطه ومقبوضه ما هو بشاعر . قالوا : فنقول « ساحر » . قال : ما هو بساحر ولا نفثه ولا عقده . قالوا : فما تقول أنت ؟ قال : ما أنتم بقائلين في هذا شيئا ، إلا وأنا أعرف أنه باطل ، وإن كان أقرب القول أنه ساحر ؛ فإنه سحر يفرق بين المرء وابنه ، والمرء وأخيه ، والمرء وزوجته ، والمرء وعشيرته . [ فتفرقوا وجلسوا على السبل يحذرون الناس ] . ( ب ) ولنذكر خبر عتبة بن أبي ربيعة ، فقد سمع القرآن وهو على الشرك . ومن كبراء قريش ، فأدرك بذوقه البياني مقام القرآن ، وقال مقالة الحق : « واللّه قد سمعت قولا ما سمعت مثله قط ما هو بالشعر ولا بالكهانة » . ( ج ) وقد ورد في حديث إسلام أبي ذر الغفاري أنه قال : « ما سمعت بأشعر من أخي أنيس ، لقد ناقض اثنى عشر شاعرا في الجاهلية ، أنا أحدهم ، وقد انطلق إلى مكة ، وجاء أنيس إلى أبي ذر بخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال أبو ذر : فما يقول الناس ؟ قال : يقولون شاعر كاهن ساحر . لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ، ولقد وضعته على أوزان الشعر فلم يلتئم ، وما يلتئم على لسان أحد ، وإنه لصادق وإنهم لكاذبون » . ( د ) إن كبار المعارضين للنبي صلى اللّه عليه وسلم خافوا على أنفسهم من أن يؤثر القرآن فيهم واستحبوا الكفر على الإيمان واستحبوا العمى على الهدى ، ولذلك تفاهموا فيما بينهم ألا يسمعوا لهذا القرآن ؛ لأن الذين يسمعونه يتأثرون بما فيه من علو بيان ، وإنه فوق طاقة البشر ، ووجدوا الناس يؤمنون به فرادى ، ومنهم كبراء كانوا ذوى مقام وجبروت .